أخبار عاجلة

جيمس غراي يبحث عن المدينة الفاضلة خارج الغرب لدحض العنصرية

جيمس غراي يبحث عن المدينة الفاضلة خارج الغرب لدحض العنصرية
جيمس غراي يبحث عن المدينة الفاضلة خارج الغرب لدحض العنصرية

محمد بنعزيز

الأحد 18 نونبر 2018 - 04:00

ضابط إنجليزي مسلح ببوصلة ومنظار وبندقية يستكشف غابة الأمازون في فيلم جيمس غراي " The lost city of Z " مارس 2017. هي رحلة مزدوجة، معرفية وشخصية. معرفيا يريد الضابط إثبات فرضياته، وشخصيا يقوم برحلة طويلة مضحيا بسعادة أسرته لتحقيق إنجاز يضمن له صعودا في سلم الارستقراطية العسكرية. هكذا صارت الرحلة اختبارا لرجولته... البحث عن الإنجاز أمر مكلف، لكن هناك ضرورة... حسب تفسير ساخر من عجوز عريق في الفيلم فالضابط "لم يكن محظوظا في اختياره لأجداده" لذلك يريد تصحيح الوضع بإنجاز يرفع ذكره. لقد تغير السياق، فصار الرجال يريدون تعريف أنفسهم بالإنجاز لا بالأصل النبيل وهو المعيار الاجتماعي الذي يتعرض للانهيار مع انتصار الحداثة. الإنجاز هو البديل: يشعر الضابط بالفخر حين يكتشف الطريق وحين يصل إلى النبع... والوصول إلى النبع إنجاز شخصي لا يورث والنبع شلال لا برْكة... هكذا يضيء السفر قلب صاحبه.

يقوم الضابط برحلة إلى أرض البدائيين ليثبت أن بها بشرا وحضارة... وهو ما يصدم مواطنيه المتحضرين من سكان لندن... يكتشف المجاعات والأوبئة وأن للهنود نبال بلا نصال لذا لا تتكسر النصال على النصال... من فرط المحنة يتضح أن نبع المدارات الحزينة لم يكتشف بسهولة.

يصعب على عشاق الأنتروبولوجيا ألا يلاحظوا التشابهات بين لقطات الفيلم وفصول كتاب كلود ليفي ستراوس فمن عناوين فصول "مدارات حزينة" نجد: رحيل، في الباخرة، كيف صرت إثنوغرافيا، في الغابة،مدن وأرياف، ذهب وماس، متوحشون وطيبون... الاختلاف الوحيد هو أن المكتشف في الفيلم يغرينا بمتابعته بينما يعلن ستراوس ومنذ السطر الأول من كتابه بأنه يكره الأسفار والمكتشفين وهذه خلاصة يستحسن أن تكون في نهاية الكتاب... لتجنب القلق يطالع الضابط شعر روديارد كبلينغ الذي يمجد المغامرة في الأدغال...

الإمبريالية الثقافية

يقود الضابط بعثة واعدة للنبع بحثا عن مدينة أقدم من لندن وبها ألواح طينية غير سومرية... وهذه هي الحجة الدامغة على وجود حضارة في الأمازون خارج حضارة الرجل الأبيض، وهو ما يغضب أعضاء المجمعية الملكية للجغرافيين الواثقين أن الحضارة والمدينة حكر عليهم. الجمعية الملكية للجغرافيين تنظيم للبحث العلمي معني ألا تصدم الاكتشافات الرأي العام.

لقد اكتشف كريستوف كولومبس القارة وانطلق البيولوجيون بقيادة داروين لفحص الزواحف واستشكاف أصل الأنواع وذهب الأنتروبولوجيون إلى الأمازون لاكتشاف الإنسان وهو أرقى موضوع للمعرفة لأنه قادر أن يمشي منتصب القامة وأن يزحف أحيانا... وجاءت السينما لتؤكد مسار الأنتربولوجيين لأن حياة البشر هي أهم ما يجذب الكاميرا ويجذب المتفرجين.

يحمل الضابط وجهة نظر متحررة لذا لا يشبه المستكشفين الذين يخططون لنهب من يستكشفهم... يمكن للضابط أن يسمح لنفسه بهذا الترف بعد أن تأسست الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس... الفيلم هو ذهاب وإياب بين عالمين، لندن رمز الحضارة والأمازون رمز الهمجية، فيلم تاريخي يلتقط التيارات الفكرية للمرحلة حيث يتم الفصل بين الرجال والمساء ولا يسمح لهن بارتداء سراويل طويلة... في لندن تصارع النساء من أجل التحرر وهناك يصارع البدائيون لإثبات أنهم بشر... هكذا يأخذنا السيناريست والمخرج جيمس غراي في رحلة أنتربولوجية لكشف الذهنية السائدة في بداية القرن العشرين في لندن تجاه "السكان الأصليين" في المستعمرات...

لتوضيح التصورات السائدة في لندن حينها والتي تكشف نظرة اللندني للآخر المختلف أشير إلى فيلم "فينوس السوداء" 2010 للفرنسي عبد اللطيف كشيش. يبدأ الفيلم بباحث في الأكاديمية الملكية للطب يعرض حجته التي جلبها من أفريقيا لتأكيد نظرية عنصرية عن الخصائص المختلفة للسود في 1817. الحجة هي امرأة أفريقية تعرض أيضا في سيرك بسلسلة في العنق كدبة يتسابق الجمهور المتحضر على لمسها من الخلف... يفترض من ذلك أن يظهر التناقض المطلق بين السوداء التي تمثل الطبيعة المتوحشة والجمهور الذي يمثل الثقافة. جمهور يستمتع لأن لها جمجمة تشبه القردة. كان القرن التاسع عشر هو قرن محاولة تأسيس نظرية عنصرية علمية تجعل الجسد المختلف حجتها... كانت تجري مسابقات بدنية كثيرة ومحاولات لتفسير الجريمة بالملامح وحجم الأنف والأذن... (ليس صدفة أنه في 2017 تتكرر بين متفرجي كرة القدم السخرية من اللاعبين بتشبيههم بالقردة).

التاريخ حياة متدفقة لا آلة حاسبة

يأخذ المخرج المتفرج في رحلة بعيدة عن المشاهد المألوفة للمدينة بل وعن العصر، هناك مسافة زمنية ومكانية مع الحدث وهذا يزيد التشويق. في فيلم جيمس غراي هذا وفي فيلمه السابق "المهاجر" The Immigrant 2013 عن هروب الأوروبيين إلى نيويورك. تجري أحداث الفيلمين في بداية القرن العشرين وهذا يتطلب معرفة معمقة بسوسيولوجيا المرحلة لأنه لم يعد بالإمكان التأثير عميقا على الجمهور بالمقاربات السطحية... لا يمكن للتكنولوجيا مهما تطورت أن تطمس الحاجة إلى المحتوى، الحاجة إلى الدلالة... في المهاجر لقطات متناسقة مسترسلة بصريا وحركيا ووجدانيا كأنها صورت في لقطة واحدة، ويورط هذا المتفرج الذي يكاد يتقمص هو نفسه شخصيتي الممثلين الكبيرين جواكيم فينيكس وماريون كوتيار. فيلم يذكر سلم لقطاته بفيلم شارلي شابلن The Immigrant 1917. وسبب هذه الإحالات أن غراي مخرج سينفيلي تقدره المهرجانات الأوروبية رغم انه يعمل في هوليود التي توصف بأنها وكر السينما التجارية.

إن التاريخ في فيلمي جيمس غراي ليس مشاهد خشبية أو آلة حاسبة، بل هو حياة متدفقة وممارسات وتصورات متصارعة... في فيلم "المهاجر" كان القواد هو الشخصية الأكثر نفوذا في المدينة... وفي الفيلم الجديد فجّر احتمال وجود مدينة فاضلة غير تابعة للرجل الأبيض جدلا بين أعضاء الجمعية الملكية للجغرافيين التي تتوقع من الأبحاث والاستكشافات تأكيد التصورات المسبقة للأعضاء لا اختبارها أو دحضها... لا يتصور عضو نبيل أن للحضارة منابع أخرى... لكن البحث العلمي انتصر، وكان لتلك الاكتشافات التي نبعت من الإمبريالية الثقافية دور كبير في خلق تشققات في النظرة المركزية التي هيمنت طويلا على الثقافة الغربية... نظرة اكتشفت بدهشة بشرا آخر صنفوا كهمجيين لكن اتضح أنهم يعرفون الكتابة والعمران...

النهر نبع الحضارة والإخراج نبع السينما

حين أنهيت تسجيل هذه النقط وجدت أن شيئا ما في الفيلم أفلت مني وبالتالي صعب ختم تحرير هذا النص، لذلك عدت لمشاهدة الفيلم لأبحث عما فاتني... ولم أكتب هذه المرة في الظلام أثناء المشاهدة بل سلمت نفسي للفيلم تماما.

أوريكا أوريكا. وجدتها وجدتها.. وجدت أن للمخرج أسلوبا متميزا في إدارة الممثلين، بحيث يشعر المتفرج بأن الممثل ولد لأداء ذلك الدور. وهذه الفكرة استخلصتها من مشاهدة فيلم "المهاجر". وفيه كان أداء ماريون كوتيار وجواكيم فينيكس مذهلا. وقد تطلب مني الآمر وقتا لمعرفة أنها كوتيار التي عبر بها فيلم "المهاجر" نحو العالمية... كان أداؤها غير مسبوق... يتكرر الأمر في الفيلم الجديد، فشارلي هانام في دور الضابط وسيينا مولر في دور زوجته ولدا لأداء الدور. لقد أدار المخرج الممثلين بمهارة. إذا كان الشلال هو نبع النهر والنهر هو مهد الحضارة فالإخراج هو نبع السينما.

وجدت أن البرويتاج (المؤثرات الصوتية) متعدد الأصوات يقوي صدقية الصورة، وجدت أن الكاميرا تعمل كأنها غير موجودة كوسيط بين المتفرج والحدث، لا توجد حركات كاميرا مفتعلة لإظهار العبقرية. تنساب الصورة كأن الفيلم صور في لقطة واحدة... لا ينكسر هذا الانسياب إلا في لحظات القنص حين لا يظهر القناص والفريسة في لقطة واحدة... لكل واحد لقطة وهنا يشعر المتفرج بيد منفذ المونتاج... للربط بين اللقطات يصب البطل كأس خمر، يجري السائل في المنحدر فيظهر القطار يسيل في الغابة... قطع بصري ودلالي مدهش.

ختاما، لقد تمكن المخرج من وضع المتفرج في قلب المشهد، صار المتفرج يشعر كأنه على المركب ولم يعد مراقبا خارجيا للحدث... ولتوجيه عين المتفرج نحو وضع محدد هناك إضاءة بخيلة حذرة دالة لا تضيء كل الديكور دفعة واحدة بل تضيء وجه الممثل أو جزءا منه وبعض الخلفية لمساعدة المتفرج لمعرفة الديكور... كل ذلك في كادرين، كادر يظهر كتفي الممثل ورأسه وكادر يظهر المشهد عاما... هكذا يشعر المتفرج كأن الممثل يجلس قبالته على نفس المائدة... لا مسافة بينهما خاصة في قاعة بها شاشة عملاقة تغطي كل الجدار المقابل... وهذا يوفر وليمة بصرية ثرية للناظرين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى عمرو سعد يكشف تفاصيل استعداده لدور الشيخ حاتم في فيلم «مولانا»